ابن عربي
82
فصوص الحكم
أنه إِله لنا . ثم يأتي الكشف الآخر فيظهر لك صورنا فيه ، فيظهر بعضنا لبعض ( 1 ) في الحق ، فيعرف بعضنا بعضاً ، ويتميز بعضنا عن بعض . فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا ، ومنا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا : أعوذ با لله أن أكون من الجاهلين . وبالكشفين معاً ما يحكم علينا إِلا بنا ، لا ، بل نحن نحكم علينا بنا ولكن فيه ، ولذلك قال « فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » : يعني على المحجوبين إِذ ( 2 ) قالوا للحق لِمَ فعلت بنا كذا وكذا مما ( 3 ) لا يوافق أغراضهم ، « فيكشِفُ لهم عن ساق » : وهو الأمر الذي كشفه العارفون هنا ، فيرون أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه فعله ( 4 ) وأن ذلك منهم ، فإِنه ما علمهم إِلا على ما هم عليه ، فتدحض ( 5 ) حجتهم وتبقى الحجة لله تعالى البالغة . فإِن قلت فما فائدة قوله تعالى : « فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » قلنا ( 6 ) « لو شاء » لو حرف امتناع لامتناع : فما شاء إِلا ما هو الأمر عليه . ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم ( 7 ) دليل العقل ، وأي الحكمين المعقولين وقع ، ذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته . ومعنى « لَهَداكُمْ » ( 8 ) لبيَّن لكم : وما كل ممكن من العالم فتح الله عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه : فمنهم العالم والجاهل . فما شاء ( 9 ) ، فما هداهم أجمعين ، ولا يشاء ، وكذلك « إِنْ يَشَأْ » : فهل يشاء ؟ هذا ما لا يكون ( 10 ) . فمشيئته أحدية التعلق وهي نسبة تابعة للعلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم
--> ( 1 ) ب : ببعض بالباء ( 2 ) ب : إِذا ( 3 ) ا ، ب ، ما ( 4 ) أنه فعله ساقطة في ا ( 5 ) ب : فتندحض ( 6 ) ب : قلت ( 7 ) ن : حد ( 8 ) ا : لهداهم أجمعين ( 9 ) ب : شاء اللَّه ( 10 ) معنى العبارة كلها : فما شاء اللَّه أزلًا هداية الناس أجمعين فلم يهتدوا من أجل ذلك لأن مشيئته متعلقة بما عليه الممكنات في حال ثبوتها . وحكم « لو شاء » في الآية : « فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » هو حكم « إِن يشأ » في قوله : « إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ » . فهل يشاء اللَّه بعد هذا الخلاف ما عليه الأشياء في ثبوتها ؟ هذا مستحيل .